المقريزي
156
المقفى الكبير
قتل المختار ، فظهر مصعب بن الزبير على الكوفة . فاشتدّ أمر عبد اللّه بن الزبير وتضعضع أمر أصحاب ابن الحنفيّة ، وانقطعت موادّهم واشتدّت حاجتهم . وقال ابن الزبير لابن عبّاس : ألم يبلغك قتل الكذّاب ؟ فقال : ومن الكذّاب ؟ قال : ابن أبي عبيد . فقال : بلغني قتل المختار . قال : كأنّك تكره تسميته كذّابا وتتوجّع له ؟ فقال : ذلك رجل قتل قتلتنا وطلب بدمائنا وشفى غليل صدورنا وليس جزاؤه منّا الشتم والشماتة . فقال ابن الزبير : لست أدري أأنت معنا أم علينا ؟ ومرّ ابن عبّاس بعروة بن الزبير فقال : قد قتل الكذّاب المختار وهذا رأسه . فقال : إنّه قد بقيت لكم عقبة ، فإن صعدتموها فأنتم أنتم - يعني عبد الملك بن مروان وأهل الشام . وبعث ابن الزبير إلى ابن الحنفيّة : إنّ البلاد قد اقتحمت ، وإنّ الأمور قد استوسقت . فأخرج إليّ فادخل فيما دخل فيه الناس ، وإلّا ، فإنّي منابذك - وكان رسوله بذلك عروة بن الزبير . فقال له : توصي لأخيك بالجدّ في إسخاط اللّه وتغفله عن ذات اللّه ! وقال لأصحابه : بلغني أنّ هذا العدوّ الذي قربت داره وساء جواره واشتدّت غائلته ، يريد أن يثور إلينا بمكاننا هذا من يومنا هذا . وقد أذنت لمن أحبّ الانصراف عنّا في ذلك ، فإنّه لا ذمام عليه منّا ولا لوم . فإنّي مقيم حتّى يفتح اللّه بيني وبينه وهو خير الفاتحين . فقام إليه أبو عبد اللّه الجدليّ ، ومحمد بن نشر ، وعبد اللّه بن [ 129 ب ] سيفي فتكلّموا وأعلموه أنّهم غير مفارقيه . وجدّ ابن الزبير في قتال ابن الحنفيّة ، وكره ابن الحنفيّة أن يقاتله في الحرم . وقد كان خبر ابن الحنفيّة انتهى إلى عبد الملك بن مروان وبلغه فعل ابن الزبير . فبعث إليه يعلمه أنّه إن قدم عليه أحسن إليه ، وعرض عليه أن ينزل إلى الشام [ حيث ] شاء حتى يستقيم أمر الناس . وكتب عبد اللّه بن عبّاس إلى عبد الملك في محمد بن الحنفيّة كتابا يسأله فيه الوصاة به والعناية بشأنه والحيطة عليه إذا صار إلى الشام . فأجابه عبد الملك بكتاب حسن يعلمه فيه قبوله وصيانته ويسأله أن ينزل به حوائجه . [ خروجه إلى الشام هروبا من ابن الزبير ] فخرج ابن الحنفيّة وأصحابه يريدون الشام ، وخرج كثيّر عزّة أمامه وهو يقول [ الرجز ] : هديت يا مهديّنا ابن المهتدي * أنت الذي نرضى به ونرتجي أنت ابن خير الناس من بعد النبيّ * أنت إمام الحقّ ، لسنا نمتري يا ابن عليّ سر ومر مثل عليّ « 1 » وأتى ابن الحنفيّة مدين وبها المطهّر بن حرّ العكّي من قبل عبد الملك . فحدّثه أصحابه بما كان من غدر عبد الملك بعمرو بن سعيد الأشدق بعد أن أعطاه العهود المؤكّدة ، فحذره . ونزل أيلة ، فتحدّث الناس بفضل محمد وكثرة صلاته وزهده وحسن هديه . فلمّا بلغ عبد الملك ندم على إذنه له في قدوم بلده ، وكتب إليه : إنّك قدمت بلادنا بإذن منّا . وقد رأيت ألّا يكون في
--> ( 1 ) في ديوان كثيّر 496 : ومن مثل عليّ ؟